من هنا يبدأ الخبر

زلزال الحوز…”ستعلمُ حين ينجلي الغُبارُ أفرسٌ تحتَكَ أم حمارُ” (تقرير)

إخباري – محمود عبــابو

 

لعل الجميع شاهد، وتابع فيديوهات وصور ضحايا زلزال الحوز المدمر، وكيف أن بعضهم لا زالوا تحت الخيام البلاستيكية، في عز موجة الأمطار والعواصف القوية التي يشهدها المغرب، وهو الأمر الذي تفاعل معه العديد من النشطاء، على منصات التواصل الاجتماعي، أمام صمت مريب للحكومة، رغم التفاعل الكبير حول الموضوع، بل لقد تحول الصمت الحكومي لعرف يمكن تطبيقه على المشاكل كلها التي تعرفها المملكة، وحتى إن حدث أن تفاعلت الحكومة، فأجوبتها تكون في حكم اللاجواب.

 وفي هذا السياق دعونا نذكر ببعض ما قام به مصطفى بايتاس المسؤول عن التواصل داخل حكومة عزيز أخنوش، فقد ألغى تعميم بلاغ المجلس الحكومي عبر الإيميل، ومن ثم أصبح الحصول عليه مرتبطا بمدى تشعب علاقاتك الصحفية، كما ألغيت أجوبة الحكومة على الأسئلة الكتابية من موقع العلاقات مع البرلمان وهي الوزارة التي يشرف عليها، إلى جانب كونه ناطقا رسميا، إضافة إلى إجبار الصحافيين على عدم تجاوز سؤال واحد في الندوة الحكومية الأسبوعية، مع إقراره لنفسه حق عدم الرد عن أي سؤال لا يروقه، وهو ما حدث مؤخرا حين طُرِح سؤال حول جمعية جود الذراع الانتخابي والإحساني لحزب الأحرار، حين قرر عدم الرد.

وتذكيرا بأرقام الزلزال ووفقا للإحصاءات الرسمية وقتها، فقد وصل عدد المتضررين من الزلزال 2.8 مليون نسمة، وهو ما يمثل ثلثي السكان في المناطق المنكوبة، بينما عدد القرى التي تضررت 2930، أما المساكن المنهارة، فبلغ عددها 59 ألفا و675، منها 32% تهدمت كليا، كما قدرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية خسائر المغرب الاقتصادية جراء الزلزال بحوالي 10 مليارات دولار، أي بنسبة 8% من الناتج المحلي الإجمالي للبلد البالغ نحو 130 مليار دولارا أمريكيا.

مباشرة بعد حدوثه تجندت الدولة لفتح الطرق، وبدأت عمليات البحث عن الجثث والأحياء الذين كانوا تحت الأنقاض، بل وانطلقت حملة تضامن شعبية غير مسبوقة، حيث توجهت جحافل من المواطنين من أرجاء المملكة، ومن خارجها، محملين بشتى أنواع المساعدات (مواد غذائية، أفرشة، أدوية، مياه…)، في مشهد أكد أن هذا الشعب العظيم ما زال حيا، فالكل تجند دون استثناء، حتى إن الأمر تحول لمادة إعلامية عبر العالم، والكل أشاد بتلاحم المغاربة في الشدائد، لكن حين انحصر هذا الانبهار بالتضامن، بدأ الواقع ينكشف، واقع مناطق نائية مهمشة، أو كما قال بديع الزمان الهمداني  “ستعلمُ حين ينجلي الغُبارُ أفرسٌ تحتَكَ أم حمارُ”، اكتشفنا جميعا واقع الناس بمنطقة الحوز، حتى قبل الزلزال، مجتمعات قبلية تحارب قساوة الظروف بكل شجاعة وصبر، أناس بسطاء لا يريدون من الدنيا إلا الكفاف، متشبثين بأرضهم فهي كل حياتهم.

القرارات الملكية

مباشرة بعد الزلزال، ترأس الملك محمد السادس جلسة عمل يوم 14 شتنبر2023، خصصت لتفعيل البرنامج الاستعجالي لإعادة إيواء المتضررين والتكفل بالفئات الأكثر تضررا من زلزال الحوز، الذي سبق أن أمر به يوم 9 شتنبر من نفس السنة، حيث أمر بتعبئة كافة الوسائل بالسرعة والنجاعة اللازمتين من أجل تقديم المساعدة للأسر والمواطنين المتضررين، خصوصا من أجل تنفيذ التدابيرالمتعلقة بإعادة التأهيل والبناء في المناطق المتضررة من هذه الكارثة الطبيعية ذات الآثار غير المسبوقة، في أقرب الآجال، بعد أن تم تشكيل لجنة وزارية ترأسها رئيس الحكومة عزيز اخنوش.

وشملت التوجيهات الملكيةّ، حسب بلاغ للديوان الملكي، إعادة إيواء نحو 50 ألف مسكن انهارت كليا أو جزئيا على مستوى الأقاليم الخمسة المتضررة، عن طريق مبادرات استعجالية للإيواء المؤقت، من خلال صيغ إيواء ملائمة في عين المكان، في بنيات مقاومة للبرد وللاضطرابات الجوية، أو في فضاءات استقبال مهيأة وتتوفر على كل المرافق الضرورية. من جهة أخرى منح مساعدة استعجالية بقيمة 30000 درهم للأسر المعنية.

   كما شدد الملك محمد السادس على أن عملية إعادة الإيواء تكتسي أولوية قصوى ويجب أن تنجز في احترام للشروط الضرورية المتعلقة بالإنصاف والانصات الدائم لحاجيات الساكنة المعنية.

 اضافة إلى مبادرات فورية لإعادة الإعمار، تتم بعد عمليات قبلية للخبرة وأشغال التهيئة   وتثبيت الأراضي. ومن المقرر لهذا الغرض، تقديم مساعدة مالية مباشرة بقيمة 140 ألف درهم للمساكن التي انهارت بشكل تام، و80 ألف درهم لتغطية أشغال إعادة تأهيل المساكن التي انهارت جزئيا.
كما اكد البلاغ ذاته أن الملك أكد على تعليماته السامية حتى تكون الاستجابة قوية، سريعة، و استباقية مع احترام كرامة الساكنة.

إجراءات الحكومة

 

أصدرت الحكومة يوم 15 شتنبر 2023، منشورا تعلن فيه عن إحداث “الصندوق الخاص بتدبير الآثار المترتبة على الزلزال الذي عرفته المملكة المغربية”، حيث تقرر من خلال ذات المنشور اقتطاع أجرة شهر بالنسبة للموظفين الساميين (وزير،كاتب دولة، مندوب دولة…)، بينما ترك الأمر تطوعيا واختياريا بالنسبة للموظفين العاديين، وعموم الشعب المغربي.

وكشف مشروع قانون المالية 2025، عن تسجيل الصندوق الخاص بتدبير الآثار المترتبة على الزلزال الذي عرفته المملكة (زلزل الحوز)، رصيدا تجاوز 13 ثلاثة عشر مليار درهم، حتى فاتح أكتوبر 2024، بعد بلوغ إجمالي موارده 21.9 واحد وعشرين مليارًا وتسعمئة مليون درهم، ونفقاته 8.9 ثمانية مليارات وتسعمئة مليون درهم، علما أن  16.7 ستة عشر مليارًا وسبعمئة مليون درهم من الموارد المذكورة اتخذت شكل تبرعات من الشركاء المؤسسيين والأشخاص الاعتبارية العامة والخاصة والمواطنين، إضافة إلى 5.25 مليارات معبأة من الميزانية العامة للدولة.

وحسب ذات المصدر (قانون المالية 2025) فقد تم صرف 4.1 أربعة مليارات ومئة مليون درهم موجهة إلى المستفيدين من المساعدات المباشرة للأسر المنكوبة، التي توزعت بين المساعدات الاستعجالية للأسر المتضررة 2500 درهم شهريا (علما أن توجيهات الملك قررت 3000 درهم كما أشرنا إلى ذلك أعلاه)، ليصل عدد المستفيدين إلى 63.7 ألف مستفيد، من مبلغ إجمالي بقيمة 1.7 مليار درهم.

كما بلغ عدد المستفيدين من المساعدات المالية المباشرة لإعادة بناء المساكن التي انهارت بشكل كامل (140 ألف درهم) خلال زلزال الحوز 5.6 آلاف مستفيد، من مبلغ إجمالي وصل إلى 237.78 مليون درهم، جرى دفعه على أربعة أقساط، فيما استفاد 51.9 ألف شخص من مساعدات لتعزيز المباني المنهارة جزئيا (80 ألف درهم)، إذ حصلوا على مبلغ قدره 1.7 مليار درهم، دُفِع وفق الصيغة ذاتها.

إحداث وكالة تنمية الأطلس الكبير

وفي نفس السياق، صادق البرلمان المغربي، على مشروع قانون رقم  2.23.870 المتعلق باحداث وكالة تنمية الأطلس الكبير، التي تشير المادة الأولى من القانون المصادق عليه،  أنها “مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، يشار إليها بعده بـ”الوكالة”. تخضع الوكالة لوصاية الدولة التي يكون الغرض منها العمل على تقيد أجهزتها بأحكام هذا المرسوم بقانون وبالنصوص المتخذة لتطبيقه، مُسنِدة “ممارسة هذه الوصاية” إلى رئيس الحكومة”.

أي أن عزيز أخنوش هو المسؤول الأول عن نتائج الوكالة، التي عين الملك محمد السادس، سعيد الليث مديرا عاما لها، وهو خريج معهد الزراعة والبيطرة (IAV) تخصص هندسة قروية، وكان يشغل منصب مدير تنمية المجال القروي والمناطق الجبلية بوزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات منذ سنة 2015.
ويبدو أن نظام الصمت وعدم التفاعل أصبح ديدنا لدى كل المسؤولين الرسميين، فقد حاولت الاتصال بالمدير العام للوكالة، من أجل استفساره حول ما قدمه لحد الان، في إطار الامانة الصحفية، ونقل المعطيات من المنبع، لكن هاتفه ظل خارج التغطية، والأمر نفسه بالنسبة لكل المنابر التي تحاول الإتصال بالسيد “يا ليثه”، رغم ان الوصول إلى المعلومة حق قانوني ودستوري (قانون 31.13، والفصل 27 من الدستور المغربي)، وهو ما يوضح أن هذه الحكومة لا تعير مطلقا أي قيمة للدستور المغربي، اللهم في الفصول التي يصعب القفز عليها.

الجـــانب الحقوقي

أصدرت الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان المعروفة اختصارا ب(LICDH) تقريرها والذي رصدت من خلاله ما وصفته ب “سوء تدبير إعادة الإعمار، حيث شابت العملية بيروقراطية مفرطة، وإقصاء بعض المتضررين من الدعم؛ مما أدى إلى تأخير إنجاز المشاريع السكنية الجديدة”.

وفي اتصال هاتفي لجريدة “إخباري” مع إدريس السدراوي رئيس الرابطة، أكد على “ضرورة تحديد المسؤوليات عن أي اختلالات أو فساد محتمل في تدبير الميزانيات المخصصة للبنية التحتية والوقاية من الكوارث الطبيعية.

كما طالب ذات المتحدث، بـ “نشر التقارير المالية المرتبطة بالمشاريع التنموية، خصوصًا تلك التي رُصدت لها ميزانيات ضخمة في المناطق المتضررة، من أجل محاسبة كل من ثبت تورطه في أي اختلاسات أو سوء تدبير للمال العام، مع ضمان عدم الإفلات من العقاب، إضافة لضمان تدبير شفاف وعادل للمساعدات والتبرعات الموجهة للضحايا، بعيدًا عن أي استغلال سياسي أو تلاعب إداري، مع إلزام المسؤولين المحليين والجهويين بتقديم تقارير دورية للرأي العام حول أوجه صرف الأموال العمومية”.
مشيرا إلى أن “حجم الكارثة يستدعي إرادة سياسية حقيقية لمواجهة الفساد والمحاسبة الفعلية، وليس فقط إجراءات شكلية لامتصاص الغضب الشعبي. الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان تؤكد أنها ستتابع هذا الملف عن كثب، وستعمل على تقديم شكايات لدى الجهات المختصة في حالة وجود أي شبهات حول نهب المال العام أو سوء التدبير، مطالبا الحكومة بالتجاوب الفوري مع هذا المطلب، احتراما للحق في المحاسبة والشفافية وحماية المال العام، وتكريسًا لمبدأ عدم الإفلات من العقاب”.

المتابعات القضائية

وبخصوص العقاب فقد سبق لرئاسة النيابة العامة ان نشرت تقريرا جاء فيه أنها “قامت بفتح أبحاث قضائية حول الانتهاكات المحتملة لحقوق الأطفال التي رافقت زلزال الثامن من شتنبر 2023 في منطقة الحوز، حيث أشارت إلى أنها تفاعلت مع 55 شكاية متعلقة بانتهاكات حقوق الأطفال”.

وأوضحت رئاسة النيابة العامة في نفس التقرير الخاص بسنة 2023 أنها “تلقت في المجموع 55 شكوى، 53 منها شكاوى إلكترونية أو منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي من أفراد عاديين، بلغوا طواعية عن قضايا مثل التحرش الجنسي بالفتيات المتضررات من الزلزال، وإجبار الأطفال على العمل في ظروف غير آمنة..

وبالإضافة إلى ذلك، سجلت النيابة العامة أنه تم تلقي شكايتين من طرف فعاليات المجتمع المدني، التي واكبت الأحداث وحرصت على التبليغ إلى الجهات المتخصصة.

وأوضح التقرير ذاته أن “معظم الشكايات التي تم تلقيها همت قضايا تتعلق بالتحريض على الزواج بالفتيات المتضررات من مناطق الزلزال عن طريق زواج الفاتحة دون إبرام عقد الزواج، إضافة إلى التحريض على دعارة الأطفال المتضررين من الزلزال مع نشر المشتكى بهم لصور وهم يقبلون أطفال، وأحيانا في وضعيات مريبة تثير الشكوك حول إمكانية وقوع اعتداءات جنسية على هؤلاء الأطفال”.

وفي نفس السياق، قالت وزارة الداخلية ضمن جواب كتابي عن سؤال للمجموعة النيابية للعدالة والتنمية إن “البحث الذي أجري في هذا الشأن بيّن أن أحد المقاولين القاطن بدوار بوزوك أيت ملو قام بالنصب على 14 مستفيدا من دوار تغزوت بجماعة امكدال، و04 مستفيدين من دوار تنمل بجماعة ثلاث نيعقوب، بسبب إخلاله بالعقود التي أبرمها معهم بشكل فردي، حيث لم يقم بإتمام الأشغال في الدوارين المذكورين لبعض المستفيدين، وبدون احترام الضوابط التقنية المعمول بها”.

وأشارت إلى أنه “فور علم السلطات المحلية بهذه الوقائع، اتصلت بالمقاول المعني وحثته على مباشرة أشغال إعادة البناء وفقا للضوابط التقنية واحترام العقود المبرمة مع المستفيدين، أو إرجاع المبالغ المالية التي تسلمها منهم، كما دعت الضحايا لإيداع شكاوى فردية لدى النيابة العامة لتفعيل المتابعة القضائية بخصوص خيانة الأمانة وإنجاز أشغال بناء دون احترام الضوابط التقنية، وقد تم إلقاء القبض عليه من طرف مصالح الدرك الملكي بأيت ملول”.

وعلى اثره، أصدرت الغرفة الجنحية التلبسية التأديبية بالمحكمة الابتدائية بمراكش، نهاية شهر فبراير 2025، حكما يقضي بسنتين حبسا نافذا في حق مقاول، وثلاثة أشهر حبسا نافذا لكل من نائب رئيس مجلس جماعة أمغراس وموظف بنفس الجماعة، على خلفية تورطهم في عمليات نصب استهدفت ضحايا الزلزال.

لكن الاعتقالات والأحكام لم تشمل فقط المتورطين بعلميات نصب على ضحايا الزلزال، بل شملت كذلك المدافعين عن حقوق الضحايا، حيث قضت المحكمة الابتدائية بمراكش، يوم 13 يناير 2025، بسجن الناشط و رئيس تنسيقية ضحايا زلزال الحوز، سعيد أيت مهدي، الذي اعتقل يوم الأحد 22 دجنبر 2024 من منزل عائلته بدوار تدغالت، جماعة إيميل، التابع لقيادة الثلاث نيعقوب، لمدة 3 أشهر وغرامة مالية قدرها 500 درهم، إضافة إلى تعويض قدره 10 آلاف درهم لصالح المشتكي، على خلفية “شكاية تقدم بها عون سلطة بدوار ‘تدافالت’ التابع لجماعة إغيل، يتهمه فيها بتعريضه للضرب والجرح والسب والقذف أثناء قيامه بمهام الإحصاء. إلى جانب شكاية أخرى وجهها ضده خليفة قائد ‘ثلاث نيعقوب’ بجماعة إغيل، يتهمه من خلالها بمهاجمته في مكتبه.

وهو الحكم الذي اعتبرته التنسيقية المحلية للدفاع عن الحريات والحق في التنظيم بمراكش، ضمن بيان لها،  “اعتقالا تعسفيا وانتقاميا، الغرض منه حجب الانتهاكات الفظيعة التي تطال ضحايا زلزال الحوز لشتنبر 2023″.

والأغرب من ذلك، هو أن محكمة الاستئناف بمراكش، قررت رفع عقوبة الناشط المدني المعروف بدفاعه عن ضحايا الزلزال، سعيد آيت مهدي، إلى سنة حبسا نافذا بعدما كان قد أدين ابتدائيا بثلاثة أشهر حبسا نافذا، كما ألغت الحكم الابتدائي الصادر عن المحكمة الابتدائية القاضي ببراءة ثلاثة متهمين كانوا متابعين في حالة سراح، و قضت بإدانتهم من جديد وحكمت عليهم بأربعة أشهر حبسا نافذا لكل واحد منهم.

هذه الأحكام التي خلفت ردود فعل حقوقية وشعبية غاضبة، حيث اعتبرت محاولة لتهريب ضحايا الزلزال، وتكميم أفواههم، بدل فتح تحقيق جدي وشفاف في الخروقات والتجاوزات التي تعرفها عملية إعمار المناطق المتضررة من الزلزال في الأطلس الكبير، كما تطالب بذلك التنسيقيات المحلية.

مشكل الخيام  البلاستيكية

اعتمادا على اخر تصريح رسمي، فقد أصدرت عمالة الحوز بلاغا يوم 13 مارس الجاري، حول برنامج إعادة البناء وتأهيل المناطق المتضررة من الزلزال، جاء فيه أن “عملية البناء انتهت بالنسبة إلى أكثر من 15100 سكن أعيد بناؤه وتأهيله، أي بنسبة 60 في المائة، كما تم تقليص عدد الخيام إلى 3.211 فقط، بعدما كان يمثل في بداية الزلزال أكثر من 35.500، ومن المنتظر أن تصل نسبة تقدم الأشغال في غضون الشهرين المقبلين إلى 80 في المائة”.

واعتبرت عمالة الحوز، في ذات البلاغ، أن “هذه المعطيات تجسد حصيلة إيجابية، لا سيما إذا استحضرنا أنه لم تمر بعد على بداية أشغال البناء والإعمار سنة كاملة، حيث لم تبدأ هذه العملية مباشرة بعد 8 شتنبر 2023، نظرا لقيام لجنة قيادة وتتبع عملية إعادة البناء وتأهيل المناطق المتضررة بعمليات أخرى ضرورية لفتح المجال أمام عملية البناء، والتي تمثلت أساسا في عمليات الإنقاذ التي تطلبت وقتا ومجهودا كبيرين نظرا لصعوبة التضاريس وجغرافية الإقليم المعقدة، بالإضافة إلى إجراء إحصاء للساكنة المتضررة من طرف لجان مختصة، فضلا عن إزالة الأنقاض والأتربة لأكثر من 23.500 منزل منهار”.

كما أرجعت سبب استمرار الخيام، إلى أن “10% من الأسر المعنية بإعادة الإعمار لم تباشر بعد عملية البناء، بسبب  “مشاكل بين الورثة”، أو عدم مباشرة المستفيدين لعملية البناء رغم توصلهم بالدفعة الأولى من الدعم المرصود من طرف الدولة، حيث باشرت السلطات المحلية إشعارهم، وإنذارهم، وحثهم على بدء الأشغال أسوة بالمستفيدين الآخرين الذين أنهوا البناء ودخلوا إلى منازلهم. وفي حالة عدم مباشرة البناء، سيتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في هذا النطاق”.

وذكرت أن “الساكنة المتضررة استفادت بصورة متواصلة طيلة هذه المدة، التي توازي 17 شهرا منذ بداية الزلزال، من الدعم المالي 2.500 درهم شهريا، المخصص للكراء والإيواء، بالإضافة إلى 140.000 درهم أو 80.000 درهم حسب الحالة، التي دعمت بها الدولة المستفيدين لإعادة بناء منازلهم. علاوة على ذلك، استفادت الساكنة المتضررة من المساعدات والإعانات الغذائية التي تضمن معالجة احتياجاتها الآنية”.

آراء المتضررين من الزلزال

وفي الجهة المقابلة للتصريحات والبلاغات الرسمية، قال جواد بلحاج رئيس تنسيقية ضحايا الزلزال بشيشاوة، في تصريح هاتفي لصحيفة “إخباري” أن “الحوز نقطة سوداء، ويضر بسمعة المغرب عالميا، فالحوز يذرف الدموع، وعوض إيجاد حلول سريعة خرج الوزير السعدي بتصريحات مستفزة للضحايا، حين اتهمهم بأنهم مجرد باحثين عن “البوز” والضجة الافتراضية، من أجل تشويه سمعة المغرب، والحقيقة أن الحكومة هي من تسعى لتمريغ سمعة الوطن في الوحل، وحل يشبه الأوحال التي تحيط بخيام الضحايا من كل جانب، وعلى الوزير القدوم لتمضية أيام قليلة مع المتضررين، إن كانت له الجرأة طبعا، لنرى إن كان لن يتكلم”.

وأضاف ذات المتحدث “أن الضحايا أحرص الناس على سمعة الوطن، بدليل أنهم ألغوا وقفة احتجاجية بمدينة الرباط، وقرروا إلغاءها لأنها تزامنت مع تنظيم قرعة كأس إفريقيا، حتى لا يستغل أعداء الوطن الأمر، فإن هناك كان من يشوه الوطن فهي الحكومة والمسؤولون بكل تأكيد، فنحن نطالب بتنفيذ ما قرره الملك محمد السادس نصره الله فقط، ولا نبحث عن امتيازات، أي أنه حق مشروع، ولا نسعى لمطاحنات سياسية، لا يلتفت إليها الناس البسطاء، فكل همهم هو مخرج لهذه المشكلة التي طال أمدها، حل يحميهم من قساوة الطبيعة والجو الشتوي الشديد”.

كما أكد أن الزلزال قدر الله، ونحن راضون به، لكن الحكومة على ما يبدو لا تأبه بالمعاناة، ولم تتحمل الأمانة، بل وخانتها، وربما لا تعتبرنا مغاربة. يضيف جواد.

 أما الحديث عن مشاكل الإرث لتبرير استمرار وُجود الضحايا تحت رحمة الخيام خلال فصل الشتاء للسنة الثانية على التوالي، لا يستقيم، فإذا اعتبرنا أن ثلاث نيعقوب بها تلك المشاكل، فما السبب بالنسبة لإقليمي شيشاوة وتارودانت، هذه تبريرات لا تستقيم، فالجميع يعلم أين المشكل، تقاعس حكومة أخنوش الفاشلة، وغياب الشفافية، أين الأموال الضخمة التي خصصت لضحايا الكارثة؟ أين تحديد المسؤوليات والمحاسبة. فعدد من الضحايا، وبعد أن يئسوا من الحكومة قاموا ببناء منازل بسيطة تحمي أبناءهم غضب الطبيعة، وأنا شخصيا قمت بالأمر نفسه بعد أن فقدت الأمل في حكومة تشغل “نظام الطائرة تجاه استغاثتنا”. يؤكد بلحاج رئيس تنسيقية ضحايا الزلزال بإقليم شيشاوة.

مقارنة بسيطة بين زلزال تركيا وزلزال المغرب 2023

 جميعنا نتذكر الزلزال القوي الذي أصاب دولة تركيا، والذي حسب تقديرات الخبراء، فإن أكثر من ربع سكان تركيا تأثروا به، حيث تعرضت البلاد لزلزاليْن – الأول بقوة 7.8 والثاني بقوة 7.5 درجة على مقياس ريختر –ضربا أكثر من عشر ولايات تركية بفارق تسع ساعات بين الهزتين، وكان مركز الزلزالين يقع في منطقتي بازارجيك وإلبيستان بولاية كهرمان مرعش في جنوب البلاد، ومس بشكل مباشر قرابة 14 مليون مواطن تركي في مساحة 120 ألف كيلومتر مربع، ونتج عن ذلك دمار كبير في 11 محافظة و124 منطقة و 6929 قرية وحيا.

الزلزال قدر إلهي بكل تأكيد، لكن تعامل الحكومات ليس قدرا، وتطبيق القوانين والمحاسبة ليسا قدرا، فقد أفاد المدعي العام التركي في تصريحات سنة 2024، “أن 113 شخصا قُبِض عليهم في إطار التحقيقات المستمرة بشأن الزلزال، اُعْتُقِلُوا بسبب عيوب البناء في المباني المدمرة في منطقتي أنطاكيا ودفنه وسط الولاية، بعد أن تم فتح 22 ألفا و581 ملف تحقيق أولي عبر مكتب التحقيقات في جرائم الزلزال، ونتيجة للفحص والتقييم الميداني المختص نزل عدد الملفات إلى 3522 ملفا”، إضافة لمطالبة الادعاء العام وقتها، بالحكم بالسجن لمدة تصل إلى 22 سنة و6 أشهر على المتهمين بـ”التسبب في وفاة أكثر من شخص عن طريق الإهمال المتعمد”، وهذه المتابعات والحرص على تطبيق القانون، هو ما جعل تركيا تطوي صفحة الزلزال بسرعة.

بينما وزارة الداخلية بالمغرب تحدثت في آخر تصريح رسمي عن متابعة مقاولين، ورئيس جماعة، وموظف، وهذا الفرق في تفعيل القوانين يشكل نقطة محورية في تدبير أي أزمة أو كارثة، ففي وطننا العزيز، وبعد سنتين لا زال الجميع يطالب بتحقيقات، وبكشف التقارير المالية، وأين تبخرت المبالغ الفلكية التي رُصِدَت لإعادة الإعمار، وهذا الأمر طبيعيا يعود بنا إلى نقطة الحق في الوصول إلى المعلومة، والتي تعتبره الحكومة على ما يبدو اختياريا، ومزاجيا، بل وربما إحسانا، على طريقة مساعدات جمعية جود، فرغم محاولاتي المتعددة للتواصل مع السادة الوزراء المعنيين بمشكلة الحوز، لم أتمكن من ذلك، فلا حياة لمن تنادي، اللهم إن كانت حياة المكاتب والسيارات والفيلات المكيفة، فتلك طبعا يفعل فيها قانون الامتيازات، أما قوانين المحاسبة فهي مركونة حتى إشعار آخر.

 

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط